خزانة الصحابة والتابعين

"الاستيعاب في معرفة الأصحاب"لأبي عمر يوسف بن عبد البر النَّمَري القرطبي "ت463هـ
"الاستيعاب في معرفة الأصحاب"لأبي عمر يوسف بن عبد البر النَّمَري القرطبي "ت463هـ

ذ/عبد اللطيف السملالي

من أجَلِّ العلماء الذين أولوا اهتماماً كبيراً لتدوين تراجم الصحابة الكرام؛ وتسجيل مآثرهم؛ وبيان أحوالهم؛ ومسار حياتهم، وهُمْ يصحبون النبيَّ عليه الصلاة والسلام في الجلوات والخلوات، حافظ المغرب أبي عمر يوسف بن عبد البر النَّمَري القرطبي (ت463هـ) في كتابه الشهير:"الاستيعاب في معرفة الأصحاب". وهذا الكتاب نال ثناء حسناً من لدن المتقدمين والمتأخرين، وهو بحق من أحسن ما أُلّف، و أجمع ما صنِّف في معرفة الصحابة في الغرب الإسلامي.

وقد أثنى ابن حزم على مجموع مؤلفات شيخه ابن عبد البر عامة، في معرض حديثه عن فضائل الأندلس، منوِّهاً خاصة بكتابه الاستيعاب قائلا: "ومنها كتابه في الصحابة [سماه كتاب الاستيعاب في أسماء المذكورين في الروايات والسير والمصنفات من الصحابة رضي الله عنهم، والتعريف بهم؛ وتلخيص أحوالهم ومنازلهم؛ وعيون أخبارهم على حروف المعجم، اثنا عشر جزءاً] ليس لأحد من المتقدمين مِثْله، على كَثْرة ما صنَّفوا في ذلك"[1].

وتأتي أهمية هذا الكتاب من كون صاحبه حاز قصب السبق في علم الأثر، وتقدَّم على أقرانه في علوم الحديث، وبلغ شأواً كبيراً في علم النسب والأخبار.

وقد تلقى تلاميذ ابن عبد البر الكتاب بالرواية والأخذ عنه مباشرة، وسعوا إلى إذاعته في مجالس الرواية والسماع؛ وتتابعت طرق تحمله في الأندلس جيلا بعد جيل، واهتم به العلماء اهتماما كبيراً، دلّت عليه جهود العلماء على مرّ العصور، مشرقا ومغرباً، في اختصارالكتاب وتذييله والاستدراك عليه، بل هناك من ندب نفسه لتقريب مواد هذا الكتاب بالترجمة إلى لغة شعوب غير ناطقة باللغة العربية (الأتراك). 

رتَّب ابن عبدالبر تراجم كتابه ترتيباً أبجدياً؛ حسب الترتيب السائد في المغرب والأندلس، وجعل له مقدمة جامعة، أتى فيها على ذكر أهمية الاعتناء بالسنة النبوية، باعتبارها الأداة "المُبَيِّنَة لمراد الله عز وجل من مجملات كتابه، والدالة على حدوده، والمفسرة له"[2]، وأن معرفة ناقليها عن النبي؛ صلى الله عليه وسلم، وهم الصحابة، من أَوْكَدِ السُّبُل المُعِينَةِ على حفظها.

ثم بيَّن أنّ عدالة الصحابة ثابتة بمنطوق آيات الذكر الحكيم، وثناء الرسول صلى عليه وسلم على فضل صحابته الأكرمين، وبيَّن تفاوت فضلهم وسابقتهم، وحسن بلائهم في المشاهد التي حضروها، ولم يفت ابن عبد البر إيراد الأحاديث الدالة على فضل بعضهم، وبيان منزلتهم في الدين والعلم.

وأشار إلى أن ما يجب معرفته عن الصحابة هو: اسم الصحابي، ونسبه، والبحث عن سيرته للاقتداء بها، أما عدالته  فهي من الأمور البدهية المقطوع بها. ثم استعرض أسماء الكتب التي وضعها أصحابها في هذا اللون من الـتأليف، منتقداً طريقة عرضهم لمضامين الترجمة قائلا: "نظرت إلى كثير مما صنفوه في ذلك وتأمّلت ما ألّفوه، فرأيتهم -رحمة الله عليهم- قد طوَّلوا في بعض ذلك وأكثروا من تكرار الرفع في الأنساب ومخارج الروايات"[3]، في حين فاتهم استيعاب أخبار المترجمين لهم وبيان أحوالهم.

وقد اعتمد ابن عبد البر كُتبَ كثيرٍ ممنْ سبقوه، واستند إلىها في صياغة كتابة تراجمه، مراعياً الاختصار في الاقتباس منها، وكان حريصاً على توثيق طرق تحمل تلك المؤلفات التي أفاد منها، دلّت على سعة مروياته وعلى تباين الأسانيد الموصولة بمؤلفها.

    ولم يفته تنبيهَ القارئ إلى أنه لم يقتصر في كتابه على كل من صحّت صحبته ولو بلُقْية واحدة؛ أو رؤية فقط، أو سمع منه لفظة فأداها عنه. وإنما ترجم كذلك لمن وُلِد على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن كان مؤمناً به ولم يَرِد عليه.

وتفادياً للتطويل في إيراد أنساب الرواة؛ من قريش والأنصار ورفعها في كتابه، فإن ابن عبد البر أفرد موضوع الأنساب بكتاب مستقل، جعله مقدمة للاستيعاب، سماه:"الإنباه على القبائل الرواة".

ولما كان الشرف الذي أدركته الصفوة المباركة من أصحاب النبي، صلَّى الله عليه وسلم، هو بسبب شرف ورفعة صاحب الدعوة، عليه أفضل الصلاة والسلام، الذي اندرجت جموعهم تحت لواء أتباعه، لذلك ارتأى المؤلف تجلية جوانب من سيرة هذا النبي الكريم، مقتصراً فيها "على النّكت التي  يجب الوقوف عليها، ولا يليق بذي علم جهْلُها، وتحسن المذاكرةُ بها، لتتمَّ للعالم الراغب، والمتعلم الطالب، في التعريف بالمَصْحُوب والصَّاحِب"[4].

لقد قسم ابن عبد البر كتابه إلى أربعة أقسام:

  • الصحابة الرجال، مرتب على الحروف.
  • كنى الصحابة.
  • الصحابيات مرتب على الحروف.
  • كنى الصحابيات.

وقد ضم الكتاب، كما وضعه المؤلف 3500ترجمة، لكن ألحقت به على توالي الأزمان تراجم كثيرة فات ابن عبد البر إيرادها، و بعضها مقتطفة من ذيول الكتاب، واستدراكات بعض تلاميذه، وبلغ مجموع التراجم المتدوالة في الكتاب المطبوع اليوم: 4225 ترجمة.

وإن العلامة ابن عبد البر لا يزعم أنه استقصى جميع تراجم الصحابة، واستوعب أسماءهم، بل هو يُصَرِّح في طالعة كتابه قائلا:" على أنِّي لا أدَّعي الإحاطة، بل أعترف بالتقصير الذي هو الأغلب على الناس"[5]، لذلك عهد إلى تلميذه أبي علي الحسين الغسَّاني الجيَّاني (ت 478هـ) وأوصاه بأن يلحق بكتابه، ما فاته من أسماء الصحابة الكرام، قائلا له:"أمانة الله في عنقك متى عثرت على اسم من الصحابة لم أذكره، إلا ألحقته في كتابي الذي في الصحابة"[6].

لقد لقي كتاب الاستيعاب من عناية العلماء واهتمامهم ما لم ينله كتاب آخر، فأفرغ كثير من العلماء جهودهم في تهذيبه؛ واختصاره؛ وتذييله؛ واستدراكه، وما تزال بعض الخزائن العلمية تحتفظ لنا بآثارهم، كما حفلت كتب كثيرة بذكر أخبار من أَوْلوا عنايتهم لهذا الكتاب. ومن أولائك الأعلام :

  1. أبو علي الحسين الغَسَّاني الجيَّاني (ت 478هـ) -تلميذ ابن عبد البر- ألف ذيْلاً حافلاً على كتاب الاستيعاب، وقد ألحق النساخ بعض مواده في متن الكتاب، أفاد منه ابن الأثير(ت630) في أسد الغابة، وابن حجر(ت 852هـ) في الإصابة وغيرهما.
  2. أبو الوليد الوَقَّشي الطُّلَيْطِلي(ت489هـ) وضع حاشية على الاستيعاب، أفاد منها ابن حجر في كتابه "الإصابة في تمييز الصحابة" 9/214و 9/238.
  3. محمد بن خَلَف ابن فَتْحُون الأندلسي (ت519هـ) ألف كتاباً سماه:" الاستلحاق على كتاب الاستيعاب" وهو من أشهر الذيول وأحفلها فوائد. وتجدر الإشارة إلى أن ابن فتحون وضع كتاباً آخر، بيَّن فيه أوهام أبي عمر ابن عبد البر في الاستيعاب.
  4. أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى القرطبي المعروف بابن الأمين الطليطلي (ت544هـ): كتب استدراكاً مميزاً سماه:"الإعلام بالخِيَرَة الأعلام من أصحاب النبي عليه السلام".
  5. يوسف بن محمد بن مِقْلَد التَّنُوخي الجُمَاهِري، المعروف بابن الدَّوَانِيقِي(ت 558هـ)، استدرك على ما لم يُذْكَر في: (الاستيعاب) وسمى كتابه: (الارتجال في أسماء الرجال). 
  6. أبو محمد الأَشِيري الصنهاجي (ت561هـ)، وضع حواشي وتعليقات على نسخته من الاستيعاب، وقد استفاد منها ابن الأثير في كتابه:"أسد الغابة".
  7. أحمد بن يوسف بن إبراهيم الأذرعي المالكي (ت؟)، اختصر الكتاب وسماه: "روضة الأحباب لاختصار الاستيعاب".
  8. يحيى بن حميدة بن أبي طي الحلبي (ت 630هـ) له كتاب "تهذيب الاستيعاب".
  9. محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْمَاز الذَّهَبي(ت 748هـ) ألف كتاب:"منتقى الاستيعاب" ذكره في كتابه: "تاريخ الإسلام"، عند ترجمته للصحابي (أبي رفاعة العدوي) 2/16.
  10. محمد بن يعقوب بن محمد الخليلي (ت 797هـ) اختصر الاستيعاب وسماه: "إعلام الإصابة بأعلام الصحابة".
  11. أبو علي عمر بن علي بن يوسف ابن الزَّهْرَاء العثماني الوِرْيَاغْلِي ثم الفاسي(من أهل القرن الثامن) وضع اختصاراً على الاستعاب سماه:"أنوار أولي الألباب، باختصار الاستيعاب" توجد نسخة مخطوطة منه بالخزانة الوطنية بالرباط تحمل رقم: 2324د.
  12. محمد بن أحمد بن يزيد بن خليفة الفَزَارِي(توفي بعد 1065 هـ) صنف كتاب: (تقريب الاستيعاب) توجد نسخة منه في الخزانة الأحمدية بتونس (1638).
  13. العلامة جماعة ابن عمر بن عبدالله الزهري(ت؟) ألف كتاب:"ملخص الاستيعاب".
  14. محمد بن محمد الحسينى السَّنْدَرُوسِي الطرابلسي(ت1177هـ) اختصر كتاب "ملخص الاستيعاب" السابق، وسماه: "الشموس المضية في ذكر أصحاب خير البرية".

وبفضل ظهورالطباعة وانتشارها في العالم الإسلامي، تسنى لهذا الكتاب الذيوع، وتمكن المتعلمون من تداوله بشكل واسع، وظهرت منه طبعات على جانب من الضبط والتحقيق، وأخرى تجارية لحقها التصحيف والتحريف. ومن أشهر طبعاته :

  • مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية.حيدرأباد بالهند.1318/1319هـ في جزأين. 808صفحة.
  • مطبعة السعادة بمصر.1328هـ/1910م، نشر بهامش كتاب:"الإصابة في تمييز الصحابة"؛ لابن حجر. طبع الكتاب على نفقة سلطان المغرب المولى عبدالحفيظ، وأشرف على طبعه وكيل المغاربة بمصر محمد بن العباس بن شقرون. امتازت هذه الطبعة باعتمادها نسخا مغربية من كتاب الاستيعاب، عليها خطوط بعض العلماء، وقوبلت على نسخ محفوظة بالكُتُبْخَانَة الخديوية. ضمت هذه الطبعة: 3624 ترجمة.
  • أعادت مطبعة مصطفى محمد بمصرسنة 1358هـ/1939م، نشر الكتاب اعتماداً على النسخة المطبوعة السابقة.
  • وأُولَى طبعاته المُحقَّقَة، باشرته مكتبة نهضة مصر بالقاهرة سنة 1380هـ/1960م، في أربعة مجلدات، اعتنى بها المحقق الأستاذ علي محمد البجاوي الذي استعان بنسخ كثيرة محفوظة بدار الكتب المصرية، كما أفاد من: "هوامش الاستيعاب"؛ لإبراهيم بن محمد بن خليل الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي (ت 841 هـ)، وأدرجها في متن الكتاب، لذلك زاد عدد تراجم هذه الطبعة عن الأصل الذي وضعه ابن عبد البر. كما أن المحقق بادر إلى تغييرترتيب الكتاب، وجعله على الترتيب الهجائي المشرقي، فنشأ عن ذلك سوء فهم إحالات المؤلف الأصلية.

[1] ـ رسالة في فضل الأندلس وذكر رجالها . ابن حزم. ص180.

[2] ـ الاستيعاب.1/1.

[3] ـ الاستيعاب1/19.

[4] ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ابن عبدالبر.1/25.

[5] ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب. ابن عبدالبر.1/20.

[6] ـ الروض الأنف . السهيلي. 3/471.

what makes women cheat redirect click
go how many women cheat on their husbands i dreamed my wife cheated on me
will my husband cheat again how many people cheat how many people cheat
online cheat on husband link
dating a married woman link cheaters caught
when your husband cheats click how often do women cheat on their husbands
redirect link abortion pill process
married cheaters the unfaithful husband women who cheat on men
discount coupons for prescriptions fyter.cn discount coupons for viagra
abortion clinics in miami open abortion definition
lisinopril lisinopril lisinopril
how to terminate a pregnancy abortion papers getting pregnant after abortion


: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

التحفة الجسيمة في ذكر حليمة

التحفة الجسيمة في ذكر حليمة

وفي سبيل إثبات صحبة السيدة حليمة، وإبراز الدليل على إسلامها توسل العلامة مغلطاي إلى تلك الغاية المنشودة بمَتْنَيْنِ اِثْنَيْنِ، مع إيراد بعض الشواهد المُعَضِّدَةِ التي كان يراها كفيلة بترجيح رأيه ...

التحفة الجسيمة في ذكر حليمة

التحفة الجسيمة في ذكر حليمة

  تَحْفَلُ كُتُب السِّيَر والشَّمائل ودلائل النُّبُوّة، وكتب الأخبار والتواريخ، ومتون الحديث الشريف بالعديد من الأخبار المتصلة بسيدة كان لها الأثر البليغ في تنشئة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رعاية شؤونه حيث كان يقيم في بيتها وبين أهلها وذويها، جزءا غير يسير من طفولته الأولى، فمن ثدييها الطَّاهِرَيْن رضع، وعلى صدرها المفعم بالمحبة غفا، وفي حِجْرِها الطَّافِح بالحَنَان دَرَجَ، ومن فصاحتها وفصاحة قومها بني سعد نهل.

السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين

السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين

حظيت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن بجليل التقدير وسمو المنزلة من قبل سلف الأمة وخلفها، إدراكا منهم لجميل الثناء ورفعة المنقبة التي وردت في حقهن في الذكر الحكيم وفي السنة المطهرة.