شذرات

من درر أبي بكر الصديق، رضي الله عنه.
من درر أبي بكر الصديق، رضي الله عنه.

ذ/ نافع الخياطي

1- عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما ولى أبو بكر، خطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أمَّا بعد أيها الناس، قد وليت أمركم ولست بخيركم، ولكن قد نزل القرآن، وسن النبي، صلى الله عليه وسلم، السنن فعلَّمنا، اعلموا أن أكْيس الكيْس: التقوى، وأن أحمق الحمق الفجور، إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القويّ حتى آخذ منه الحق، أيها الناس إنما أنا متَّبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني".

2- وعن الحسن قال: لما بويع أبو بكر قام خطيباً، فلا والله ما خطب خطبته أحد بعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد فإني وليت هذا الأمر وأنا له كاره، والله لوددت أن بعضكم كفانيه، ألا وإنكم إن كلفتموني أن أعمل فيكم مثل عمل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم أقم به. كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عبداً أكرمه الله بالوحي وعصمه به، ألا وإنما أنا بشر ولست بخير من أحد منكم فراعوني([1]) فإذا رأيتموني استقمت فاتبعوني، وإذا رأيتموني زغت فقوِّموني، واعلموا أن لي شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتموني غضبت؛ فاجتنبوني لا أوثر في أشعاركم وأبشاركم.([2])

3- وعن يحيى بن أبي كثير أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، كان يقول في خطبته: "أين الوُضَّاء([3]) الحسنةُ وجوهُهم المعجبون بشأنهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان؟ أين الذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدهر فأصبحوا في ظلمات القبور، الوَحَا الوَحَا([4])، النَّجَاء النَّجَاء".([5])

4- وعن عبد الله بن عكيم قال: خطبنا أبو بكر، رضي الله عنه، فقال: أمَّا بعد فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تُثنوا عليه بما هو أهله، وأن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة. إن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: (إنهم كانوا يُسارعون في الخيرات، ويدعوننا رغبا ورهباً، وكانوا لنا خاشعين)([6]). اعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم، واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم لا تفنى عجائبه، ولا يطفأ نوره، فصدقوا قوله، وانتصحوا كتابه، واستضيئوا منه ليوم القيامة، وإنما خلقكم لعبادته، ووكل بكم الكرام الكاتبين يعلمون ما تفعلون. ثم اعلموا عباد الله أنكم تَغْدون وتروحون في أجل قد غُيِّب عنكم علمه، فإن استطعتم أن تنقضي الآجال وأنتم في عمل الله فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم قبل أن تنقضي آجالكم فتردكم إلى سوء أعمالكم، فإن أقواماً جعلوا آجالهم لغيرهم ونسوا أنفسهم، فأنهاكم أن تكونوا أمثالهم، الوحا الوحا، النجاء النجاء. إن وراءكم طالباً حثيثاً مَرُّه سريع".([7])

5- وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط قال: لما حضر أبا بكر الصديق الموتُ دعا عمر فقال له: "اتق الله يا عمر، واعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى فريضته، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة باتباعهم الحق في دار الدنيا وثقله عليهم، وحقَّ لميزان يوضع فيه الحق غداً أن يكون ثقيلا، وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة باتباعهم الباطل في الدنيا وخفته عليهم، وحقَّ لميزانٍ يوضع فيه الباطل غداً أن يكون خفيفاً، وإن الله تعالى ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئه، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأخاف أن لا ألحق بهم. وإن الله تعالى ذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ورد عليهم أحسنه، فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو أن لا أكون مع هؤلاء ليكون العبد راغباً راهباً، لا يتمنى على الله، ولا يقنط من رحمة الله. فإن أنت حفظت وصيتي فلا يك غائب أحب إليك من الموت وهو آتيك، وإن أنت ضيَّعت وصيتي فلا يك غائب أبغض إليك من الموت، ولست تُعجزه.([8])    

6- وعن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه، قال: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي. فنظرنا فإذا عبدٌ نوبيّ([9]) كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح([10]) كان يسقي بستاناً له، فبعثنا بهما إلى عمر. قالت: فأخبرني جدي أن عمر بكى، وقال: رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب مَنْ بعده تعَباً شديداً.([11])

7- وعنها قالت: لما حضر أبا بكر الوفاة جلس فتشهد ثم قال: "أما بعد يا بنية، فإن أحب الناس غنًى إلي بعدي أنت، وإن أعز الناس علي فقراً بعدي أنت، وإني كنت نحلتك (جداد)([12]) عشرين وَسقاً من مالي، فوددت والله أنك حُزْته، وإنما هو أخواك وأختاك. قالت: قلت: هذان أخواي فمن أختاي؟ قال: ذو بَطن، ابنة خارجة فإني أظنها جارية([13]). وفي رواية: قد أُلْقِي في رَوْعِي أنها جارية، فولدت أم كلثوم.([14])

8- وعنها قالت: لما ثقل أبو بكر، قال: أي يوم هذا؟ قلنا: يوم الاثنين. قال: فإني أرجو ما بيني وبين الليل. قالت: وكان عليه ثوب عليه رَدْع من مِشْقٍ([15]) فقال: إذا أنا مِتُّ فاغسلوا ثوبي هذا، وضموا إليه ثوبين جديدين، وكفنوني في ثلاثة أثواب([16]) فقلنا: أفلا نجعلها جدداً كلها؟ قال: لا، إنما هو للمُهْلة([17]) فمات ليلة الثلاثاء.([18])


([1]) - راقبوني، وانظروا ماذا أفعل.

([2]) - صفة الصفوة؛ لابن الجوزي، ج1/ ص: 260.

([3]) - مفردها وضيء. من الوضاءة؛ وهي الحسن، والبهجة، والنظافة.

([4]) - أي: السرعة السرعة، يمدُّ ويقصر، وتوخَّيت: أسرعت. وهو منصوب على الإغراء بفعل محذوف.

([5]) - صفة الصفوة؛ لابن الجوزي، ج1/ ص: 261.

([6]) - سورة: الأنبياء، الآية رقم: 90.

([7]) - صفة الصفوة؛ لابن الجوزي، ج1/ ص: 262.

([8]) - نفس المرجع، ج1/ ص: 264.

([9]) – نسبة إلى النوبة، وهي بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر، أولها بعد أسوان.

([10]) - البعير الذي يُستقى عليه الماء، جمع: نواضح.

([11]) - صفة الصفوة؛ لابن الجوزي، ج:1/ ص: 265.

([12]) - الجَداد: مصدر بمعنى قطع ثمرة النخل. والذي في النهاية: "جادّ"؛ وهي بمعنى المجدود؛ أي: المقطوع؛ أي نخل يُجدَّ منه ما يبلغ عشرين وسقا. والوسق: ستون صاعاً، وهو: ثلاثمائة وعشرون رطلا عند أهل الحجاز.

([13]) - ابنة خارجة: هي حبيبة بنت خارجة بن زيد، زوج أبي بكر، وقوله: "ذو بطن" يشير إلى أنها حامل، وفي بطنها جنين. وقد ولدت حبيبة له بعد وفاته جارية سُمِّيت: أم كلثوم.

([14]) - صفة الصفوة؛ لابن الجوزي، ج1/ ص: 265.

([15]) - المشق: المغرة؛ (بفتح الميم والغين): وهو نوع من الأصباغ كالزعفران. والردع: اللطْخ؛ أي أن هذا الصبغ لم يعم الثوب كله، بل كان هناك لطْخ منه.

([16]) - قال الفقهاء: يستحب التكفين بثلاثة أثواب؛ لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كفن في ثلاثة أثواب، ولم يكن الله ليختار لنبيه إلا الأفضل.

([17]) - المهلة، والمهل: (بضم فسكون): القيح والصديد الذي يذوب فيسيل من الجسد.

([18]) - صفة الصفوة؛ لابن الجوزي، ج1/ ص: 266.

unfaithful husband open cheaters caught
will my husband cheat again how married men cheat how many people cheat
redirect married men who cheat my husband cheated with a man
My husband cheated on me open why do men have affairs
online link read here
abortion pill abortion pill abortion pill
cialis coupon cialis coupon cialis coupon
facts on abortion cons of abortion having an abortion
metformin metformin metformin


: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

لقد ميّز الله سبحانه جيل الصّحابة بالفضل والمكانة العظيمة، وهو خير القرون على الإطلاق بما اتّصف به هذا الجيل من الصّفات والخصال التي جعلته يتبوّأ مكانةً لن يبلغها جيلٌ بعده، ولقد امتدح الله صحابة رسول الله في القرآن الكريم، كما بيّن النّبي صلى الله عليه وسلم فضلهم بقوله يومًا: >اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتَّخِذوا أصحابي غَرَضًا، مَن أحَبَّهم فبِحُبِّي أحَبَّهم، ومَن أبغَضهم فبِبُغْضـي أبغَضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى اللهَ، ومَن آذى اللهَ يوشِكُ أنْ يأخُذَه...

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (2)

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (2)

إنّ للصحابة رضي الله عنهم فضل كبير في تبليغ الدعوة ونشـر هذا الدين، وقد ورد فضلهم هذا في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشـريفة. لما تمتعوا به من  الصفات العالية والأخلاق الحميدة، فقد كان الصّحابة مثالًا في الورع والصّلاح والتّقوى والبذل في سبيل الله، وكان لكلّ واحدٍ منهم صفة تميّزه عن غيره، فكلّ الصّحابة كانوا مناراتٍ يُهتدى بها في ظلمات الحياة ودياجيرها، نهل جميعهم من نور النبوة والصحبة الشـريفة لسيد الخلق بنصيب وافر، وفازوا بذلك فوزا كبيرا.

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (1)

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (1)

إنّ للصحابة رضي الله عنهم فضل كبير في تبليغ الدعوة ونشـر هذا الدين، وقد ورد فضلهم هذا في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشـريفة. لما تمتعوا به من  الصفات العالية والأخلاق الحميدة، فقد كان الصّحابة مثالًا في الورع والصّلاح والتّقوى والبذل في سبيل الله، وكان لكلّ واحدٍ منهم صفة تميّزه عن غيره، فكلّ الصّحابة كانوا مناراتٍ يُهتدى بها في ظلمات الحياة ودياجيرها، نهل جميعهم من نور النبوة والصحبة الشريفة لسيد الخلق بنصيب وافر، وفازوا بذلك فوزا كبيرا.