شذرات

خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية
خطبة عمر بن الخطاب يوم الجابية

بقلم: ذ/ نورالدين الغياط

يزخر تراثنا الإسلامي والعربي بخطب بليغة، وأقوال جامعة، أثرت عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين، تحث على الصلاح والتمسك بالدين ـ الذي به صلاح الفرد والمجتمع ـ وقد كان سيدنا عمر رضي الله عنه فصيحا حكيما في خطبه، يجمع فيها بين صلاح الدين والدنيا، ويحث فيها المسلمين على التمسك بكتاب الله، والمواظبة على فرائضه. ويحذرهم من الركون إلى الدنيا، ويرغبهم في استحضار الله في كل الأعمال، منها خطبته التي ألقاها ، في جنده الفاتحين بمنطقة الجابية[1] من بلاد الشام. وفيما يلي نصها:

"أمّا بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه، الذي بطاعته يكرم أولياؤه، وبمعصيته يضل أعداؤه، فليس لهالك هلك معذرة في فعل ضلالة حسبها هدى، ولا في ترك حق حسبه ضلالة. وإن أحق ما تعاهد الراعي من رعيته أن يتعاهدهم بما لله عليه من وظائف دينهم الذي هداهم الله له، وإنما علينا أن نأمركم بما أمركم الله به من طاعته، وننهاكم عما نهاكم الله عنه من معصيته، وأن نُقِيمَ فيكم أمر الله عز وجلَّ في قريب الناس وبعيدهم، ولا نُبَالِي على منْ مَالَ الحَقُّ، وقد علمت أن أقواما يتمنون في دينهم فيقولون: نحن نصلي مع المصلين، ونجاهد مع المجاهدين، وننتحل الهجرة، وكل ذلك يفعله أقوام لا يحملونه بحقه.

 وإن الإيمان ليس بالتحلي، وإن للصلاة وقتا اشترطه الله فلا تصلح إلا به، فوقت صلاة الفجر حين يزايل[2] المرء ليله، ويحرم على الصائم طعامه وشرابه، فآتوها حظها من القرآن.

 ووقت صلاة الظهر إذا كان القيظ[3]، فحين تزيغ عن الفلك حتى يكون ظلك مثلك، وذلك حين يهجر المهجر[4]، فإذا كان الشتاء، فحين تزيغ عن الفلك حتى تكون على حاجبك الأيمن، مع شروط الله في الوضوء والركوع والسجود، وذلك لئلا ينام عن الصلاة. ووقت صلاة العصر والشمس بيضاء نقية قبل أن تَصْفَارَّ قدر ما يسير الراكب على الجمل الثَقَّالِ فرسخين قبل غروب الشمس. وصلاة المغرب حين تغرب الشمس ويفطر الصائم. وصلاة العشاء حين يعسعس[5] الليل، وتذهب حمرة الأفق إلى ثلث الليل. فمن رقد قبل ذلك فلا أرقد الله عينيه، هذه مواقيت الصلاة ﴿ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقتا﴾[6].

 ويقول الرجل: قد هاجرت، ولم يهاجر، وإنّ المهاجرين الذين هجروا السيئات.

 ويقول أقوام: جاهدنا، وإنّ الجهاد في سبيل الله مجاهدة العدو واجتناب الحرام. وقد يقاتل أقوام يحسنون القتال، لا يريدون بذلك الأجر ولا الذكر، وإنما القتل حتف من الحتوف، وكل امرئ على ما قاتل عليه وإن الرجل ليقاتل بطبيعته من الشجاعة، فينجّي من يعرف ومن لا يعرف، وإن الرجل ليجبن بطبيعته، فيسلم أباه وأمه، وإن الكلب لَيَهِرّ[7] من وراء لأهله. واعلموا أن الصوم حرام[8] يجتنب فيه أذى المسلمين كما يمنع الرجل من لذته من الطعام والشراب والنساء، فذلك الصيام التام. وإيتاء الزكاة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم  طيبّة بها أنفسهم، فلا يرون عليها برّا.

 فافهموا ما توعظون به، فإن الحريب[9] من حرب دينه، وإن السعيد من وعظ بغيره، وإن الشقى من شقى في بطن أمه، وإن شرّ الأمور مبتدعاتها. وإن الاقتصاد في سنّة خير من الاجتهاد في بدعة. وإن للناس نفرة عن سلطانهم، فعائذ بالله أن يدركني وإياكم ضغائن[10] مجبولة، وأهواء مشبعة، ودنيا مؤثرة، وقد خشيت أن تركنوا إلى الذين ظلموا فلا تطمئنوا إلى من أوتى مالا. وعليكم بهذا القرآن، فإن فيه نورا وشفاء وغيره الشقاء، وقد قضيت الذي عليّ فيما وَلاَّني الله عز و جل من أموركم، ووعظتكم نصحا لكم، وقد أمرنا لكم بأرزاقكم، وقد جنّدنا لكم جنودكم، وهيّأنا لكم مغازيكم، وأثبتنا لكم منازلكم، ووسعنا لكم ما بلغ فيكم وما قاتلتم عليه بأسيافكم، فلا حجة لكم على الله بل لله الحجة عليكم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"[11].

 


[1]  قرية سورية غرب دمشق جعلها عمر بن الخطاب قاعدة يلتقي فيها جيوش المسلمين.

[2]  يتنحى ويزول حين يتبين الخيط الأبيض من الأسود، وهو وقت الفجر الصادق.

[3]  أي ميل الشمس عن وسط السماء جهة الغرب.

[4]  الهاجرة وقت اشتداد الحر، ومعنى يهجر المهجر: أن يسير في وقت الهاجرة.

[5] - يظلم الليل.

[6]- سورة النساء الآية : 102.

[7] - هرير الكلب: صوته دون نباحه من قلة صبره على البرد.

[8] - حرام من الحرم والإحرام، بمعنى من دخل في حرمه وجب عليه أن يكف لسانه ويده عن الأذى كما يكف بطنه وفرجه عن الطعام والشهوة.

[9] - الحريب: المحروم من خير والمسلوب أعزّ ما لديه.

[10] - ضغائن: أحقاد.

[11]  كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال؛للمتقي الهندي المتوفى سنة 975، ج 16/ ص: 163-164-165-166.

what makes women cheat why women cheat on men click
website how to save buying viagra buy viagra in el paso texas
read married affairs sites wives who cheat on husbands
go induced abortion plan b abortion pill
prescription drug coupons outbackuav.com prescription discounts cards
how to terminate a pregnancy abortion at 12 weeks getting pregnant after abortion


 
2015-07-04 02:17الكهل الصغير

بارك الله فيك و أثابك.. نعم ما نقلت لنا و إنّ الخير كل الخير فيما قال الفاروق رضي الله عنه

 
2012-10-28 13:14مراد عاصمي

نشكرك أستاذي العزيز على هذا المقال القيم كما نتمنى ان لا تبخل علينا بالمزيد

 
2012-09-19 15:54سمير مراحة

شكراً على هذا المقال الرائع أخي الكريم

: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

لقد ميّز الله سبحانه جيل الصّحابة بالفضل والمكانة العظيمة، وهو خير القرون على الإطلاق بما اتّصف به هذا الجيل من الصّفات والخصال التي جعلته يتبوّأ مكانةً لن يبلغها جيلٌ بعده، ولقد امتدح الله صحابة رسول الله في القرآن الكريم، كما بيّن النّبي صلى الله عليه وسلم فضلهم بقوله يومًا: >اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتَّخِذوا أصحابي غَرَضًا، مَن أحَبَّهم فبِحُبِّي أحَبَّهم، ومَن أبغَضهم فبِبُغْضـي أبغَضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى اللهَ، ومَن آذى اللهَ يوشِكُ أنْ يأخُذَه...

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (2)

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (2)

إنّ للصحابة رضي الله عنهم فضل كبير في تبليغ الدعوة ونشـر هذا الدين، وقد ورد فضلهم هذا في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشـريفة. لما تمتعوا به من  الصفات العالية والأخلاق الحميدة، فقد كان الصّحابة مثالًا في الورع والصّلاح والتّقوى والبذل في سبيل الله، وكان لكلّ واحدٍ منهم صفة تميّزه عن غيره، فكلّ الصّحابة كانوا مناراتٍ يُهتدى بها في ظلمات الحياة ودياجيرها، نهل جميعهم من نور النبوة والصحبة الشـريفة لسيد الخلق بنصيب وافر، وفازوا بذلك فوزا كبيرا.

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (1)

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (1)

إنّ للصحابة رضي الله عنهم فضل كبير في تبليغ الدعوة ونشـر هذا الدين، وقد ورد فضلهم هذا في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشـريفة. لما تمتعوا به من  الصفات العالية والأخلاق الحميدة، فقد كان الصّحابة مثالًا في الورع والصّلاح والتّقوى والبذل في سبيل الله، وكان لكلّ واحدٍ منهم صفة تميّزه عن غيره، فكلّ الصّحابة كانوا مناراتٍ يُهتدى بها في ظلمات الحياة ودياجيرها، نهل جميعهم من نور النبوة والصحبة الشريفة لسيد الخلق بنصيب وافر، وفازوا بذلك فوزا كبيرا.