قصص وعبر

قصة الصحابي الذي استمعت الملائكة لتلاوته أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر رضي الله عنه
قصة الصحابي الذي استمعت الملائكة لتلاوته
أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر رضي الله عنه

 

 

 

   إعداد وتقديم: ذ/ نافع الخياطي

هو أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْر بن سماك بن عبد الأشهل، أبو يحيى الأوسي. أَحَدُ النُّقَبَاءِ الاثْنَيْ عشر ليلة العَقَبَة.

أسلم قديماً على يد مُصْعَب بن عُمَيْر، وكان أبوه شريفاً مُطَاعاً يُدْعى حُضير الكتائب.

وكان أُسَيْد بَعْدَ أبيه شريفاً في قومه، يُعَدُّ من ذوي العقول والآراء، وكان يكتب بالعربية، ويحسن العَوْم والرَّمي، وكان في الجاهلية يُسَمُّون من جمع فيه هذه الخصال: «الكامل».

تبوَّأ أُسَيْد بن حُضَيْر مكاناً عليّاً بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزيَّن صحائف أعماله بالطَّيِّبات الصالحات، وبأعمال الخير، وخصال البِرّ، وزيَّن صفحات التاريخ بخصاله المحمودة، ومناقبه المشهورة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الرجل أبو بكر. نِعْمَ الرجل عمر. نِعْمَ الرجل أُسَيْد بن حُضَيْر»([1]).

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت:

«ثلاثة من الأنصار من بني عبد الأشهل لم يكن أحد يعتد عليهم فضلاً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«سعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وعبَّادُ بْنُ بِشْر رضي الله عنهم»([2]).

روى البخاري في (صحيحه) عن محمد بن إبراهيم عن أُسيد بن حُضير رضي الله عنه، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة- وفرسه مربوطة عنده- إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت([3]) الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها، فأشفق أن تصيبه، فلمَّا اجترَّهُ([4]) رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلمَّا أصبح حدَّث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اقرأ يا بن حُضير».

قال: قد أشفقتُ يا رسول الله على يحيى، وكان منها قريباً، فرفعتُ رأسي وانصرفت إليه فرفعتُ رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُّلَّة([5]) فيها أمثال المصابيح فخرجتُ حتى لا أراها.

قال: «وتدري ما ذاك؟».

قال: لا.

قال: «تِلْكَ الملائكة دَنَتْ([6]) لِصَوْتِك، ولو قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لاَ تَتَوَارَى([7]) مِنْهُم !!»([8]).

وهذه منقبة عظيمة لأُسيد رضي الله عنه وأرضاه([9]).

العبر المستخلصة من هذه القصة:

1-  أُسَيْد بن حُضَيْر الأوْسي، رضي الله عنه، من خيار الصحابة وقُرَّاء القرآن، ويكفيه شرفاً وفَخْراً أنَّ ملائكة الله الكرام نزلت لسماع تلاوته القرآن الكريم. ومصداق خيريته أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَه»([10]).

2-  كون «أُسيْد» أحد النقباء الاثْنَيْ عشر الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وهذا يُجَلِّي مكانة البيعة والمُبَايِعِينَ في الإسلام، مصداق قوله تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يُبايعون الله)([11])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَة مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّة»([12])؛ لأن بالبيعة يَنْتَظِمُ أَمْرُ الخَاصَّةِ والعَامَّة.

3-  أُسيْد يُعَدُّ من قدماء الصحابة إسلاماً؛ لاستقباله نور الإيمان بالبصر الثاقب، والبصيرة النافذة؛ لقول البُوصيري، رحمه الله، في هَمْزِيَتِه:

وإذا حَلَّتِ الهِدَايَةُ قَلْباً    **    نَشِطَتْ في العِبَادَةِ الأَعْضَاءُ.

4-  جَمَعَ أُسيْدٌ خِصالاً عظيمة، ومناقب كثيرة؛ فهو شريف في قومه، من ذوي العقول النَّيِّرة، والآراء الصائبة، ومعرفته الكتابة العربية، ومهارته في السباحة والرَّمْي. وكان في الجاهلية من جمع هذه الخصال يُسَمُّونه: «الكامل». وفي الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «عَلِّمُوا أولادكم السباحة والرِّماية وركوب الخيل»([13]).

5-  فَوْزُ أُسَيْد رضي الله عنه بثناء النبي صلى الله عليه وسلم، عليه، وعلى جماعة من الصحابة؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْر، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَر، نِعْمَ الرَّجُلُ أُسيْد بن حُضَيْر»، وقول عائشة رضي الله عنها: «ثلاثة من الأنصار...سَعْد بْنُ مُعَاذ، وأُسَيْدُ بن حُضَيْر، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْر»([14]).

6- قيام أُسَيْد رضي الله عنه، بقراءة القرآن لَيْلاً، وذاك دَأْبُ عامة الصحابة رضي الله عنهم.

7-  لا شَكَّ أنَّ أُسَيْد كان يحفظ القرآن كلَّه؛ لأنه قام يَقْرَأُ بسُورَةِ البقرة، وهي أطولُ سُوَرِ القرآن، وأَجْمَعُهَا للأحكام الشَّرعية، وقد ورد في الحديث فَضْل من يقرأُها مع سورة آل عمران، وكلٌّ منهما تُسَمَّى الزَّهْرَاء: «اقْرَأُوا الزَّهْرَاوَيْنِ البَقَرةَ وسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فإنَّهُما تَأْتِيَانِ يَوْمَ القِيَامة كأنَّهُما غَمَامَتَانِ أَوْ كأنَّهُما غَيَايَتَان»([15]).

8-  كان أُسيْد رضي الله عنه، من أصحاب الأصوات الجميلة المؤثِّرة التي تزيد المقروء رَوْعَةً وجمالاً، وتأثيراً يَحْمِلُ السَّامع على التَّدَبُّر والخشوع، لقوله صلى الله عليه وسلم: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ»([16])، ولقوله صلى الله عليه وسلم في شأن الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري عندما سمع قراءته: «لَقَدْ أُوتِيَ مِزْمَاراً مِنَ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد»([17])، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ يَجْهَرُ بِه»([18])، ولقوله صلى الله عليه وسلم، لِأُسيْد: «تِلْكَ المَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِك...»([19]).

9- قراءة القرآن- ولا سيما لَيْلاً- تتجلى معها الأنوار الرَّبَّانية، ونزول الملائكة لسماعها كما حدث في قصَّة أُسَيْد رضي الله عنه.

وقصَّة أُسَيْد بن حُضَيْر رضي الله عنه، بجميع تفاصيلها فيها عبرٌ كثيرةٌ تُوجِبُ علينا أن نقتدي بالرَّسول صلى الله عليه وسلم، وبجيل الصحابة، رضي الله عنهم، وبجميع خِيَار الأُمَّة؛ لأنَّهُم رَمْزُ القُدْوَةِ الصَّالحة، لقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً)([20])، كما أن الرَّسول صلى الله عليه وسلم، أَمَرَهُ الله أن يَقْتَدِيَ بمن قَبْلَهُ مِنَ الأنبياء؛ حيث قال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوءَةَ فَإِنْ يَكْفُر بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِين أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ)([21]).

                                                                         والحمد لله الذي بنعمته تتم الصَّالحات.     

 


([1]) سنن الترمذي، باب مناقب معاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأُبَيّ، وأبي عبيدة بن الجراح، رضي الله عنهم، رقم الحديث: (3795): 6/ 139، السنن الكبرى؛ للنسائي، أُسيْد بن حُضير، رقم الحديث: (8186): 7/ 346، فضائل الصحابة؛ لأحمد بن حنبل، رقم الحديث: (354): 1/ 268. وسنده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبان (2217)، وقال الحاكم: 3/ 233، 246، 268: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي. انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها: 2/ 534.

([2]) تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام؛ للذهبي: 3/ 207، سير أعلام النبلاء؛ للذهبي أيضا: 1/ 342.

([3]) اضْطَرَبَتْ اضْطِرَاباً شَدِيداً.

([4]) جَرَّهُ من المكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَأَخَّرَهُ.

([5]) السَّحَابَة.

([6]) اقْتَرَبَتْ.

([7]) لاَ تَسْتَتِر.

([8]) صحيح البخاري، باب نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن، رقم الحديث: (5018): 6/ 190.

([9]) من كتاب: (صور ومواقف من حياة الصحابة)؛ لمؤلفه: سعد يوسف أبو عزيز، ص: 202، 203.

([10]) صحيح البخاري، باب خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه، رقم: (5027): 6/ 192.  

([11]) سورة الفتح، آية: 10.

([12]) صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، رقم الحديث: (1851): 3/ 1451.  

([13]) معرفة الصحابة؛ لأبي نعيم: 1/ 440.

([14]) سبق تخريجهما في هذا البحث.

([15]) صحيح مسلم، باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي صلى الله عليه وسلم، بعد العصر: 1/ 553.

([16]) سنن الدارمي، باب التغني بالقرآن، رقم: (3500)، إسناده صحيح: 2/ 565، سنن ابن ماجه، باب في حسن الصوت بالقرآن، رقم: (1342)، إسناده صحيح: 2/ 366، سنن أبي داود، باب كيف يستحب الترتيل في القراءة، رقم: (1468)، إسناده صحيح: 2/ 594، سنن النسائي، تزيين القرآن بالصوت، رقم: (1015)، حكم الألباني: صحيح: 2/ 179.

([17]) سنن النسائي، باب تزيين القرآن بالصوت، رقم: (1018)، حكم الألباني: صحيح: 2/ 522، إكمال المعلم بفوائد مسلم (شرح صحيح مسلم للقاضي عياض)، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن: 3/ 159.

([18]) صحيح البخاري، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم، الماهر بالقرآن مع الكرام البررة وَزَيِّنُوا القرآن بأصواتكم، رقم: (7544): 9/ 158، صحيح مسلم، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن، رقم: (232): 1/ 545.

([19]) سبق تخريجه.

([20]) سورة: الأحزاب، آية: 21.

([21]) سورة: الأنعام، الآيتان: 89- 90.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه مع تُجَّار المدينة عام الرَّمادة

قصة عثمان بن عفان رضي الله عنه مع تُجَّار المدينة عام الرَّمادة

 أيَّام خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

إنه ذو النورين...وصاحب الهجرتين...وزوج الابنتين...عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.

في خلافة الفاروق رضوان الله عليه، أصابت النَّاس سَنَةٌ مُجْدِبَةٌ أهلكت الزَّرْع والضَّرْع حتَّى دُعِيَ عامُهَا لشِدَّة قَحْطِهِ بعام الرَّمَادة.

قصة ضيافة الصحابي: جابر بن عبد الله الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم وأهل الخندق.

قصة ضيافة الصحابي: جابر بن عبد الله الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم وأهل الخندق.

يروي لنا جابرٌ بن عبد الله رضي الله عنه إحدى حَوَادِثِهِ مع رسول الله صلوات الله وَسَلَامُهُ عليه. حيث قال:

«كُنَّا يَوْمَ «الخَنْدَقِ» نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ لنا صَخْرَةٌ شديدة عَجَزْنَا عَنْ تَحْطِيمِهَا، فجئنا إلى الرسول عليه الصَّلَاةُ وَالسَّلَام، وقلنا: يا نبيَّ الله لقد وَقَفَتْ في سَبِيلِنَا صَخْرَةٌ صَلْدَةٌ، وَلَمْ تَفْعَلْ مَعَاوِلُنَافِيهَا شَيْئاً.

أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ: مُعاذ بن جَبل رضي الله عنه

أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ: مُعاذ بن جَبل رضي الله عنه

لَمَّا قَدِمَ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على المدينة مهاجراً، لَزِمَهُ الفَتَى مُعاذ بن جَبَل مُلازمة الظِّلِّ لِصاحبه، فأخذ عنه القرآن، وَتَلَقَّى عليه شرائع الإسلام، حتى غَدَا مِنْ أَقْرَإِ الصَّحَابة لكتاب الله، وَأَعْلَمِهِمْ بِشَرْعِه.                         

حَدَّثَ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ قال: دخلتُ مسجد «حِمْص» فإذا أنا بِفَتًى جَعْدِ الشَّعَر، قد اجتمع حوله الناس، فإذا تكلَّمَ كأنما يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ نُورٌ وَلُؤْلُؤٌ، فقلتُ: مَنْ هَذَا؟!. فقالوا: مُعاذ بن جَبَل.