دفاعا عن الصحابة والتابعين

بيعة أبي بكر كانت فَلْتَة
بيعة أبي بكر كانت فَلْتَة

 

 

 

بقلم: يونس السباح

من الشّبه المغرضة، التي روّجها البعض، ما يتعلّق ببيعة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، خليفة لرسول الله بعد موته، ورفيقه في الغار، وصهره، وأمينه، وأنّ بيعته لم تكن قائمة على أسسها، متّفق عليها بين الصحابة، وإنّما كانت فلتة.

ومدار هذه الشبهة -حسب زعمهم-، لفظة فلتة، الواردة في الحديث، وفهموها على أنّ معناها؛ فجأة، وبناء عليها تمّ الطّعن في بيعة أبي بكر رضي الله عنه، التي تمّت بإجماع الصحابة.

وبيانها ما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، عن ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب، في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر، لقد بايعت فلانا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: أما والله - إن شاء الله - لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة. قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس، حتى أجد سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب، فلما رأيته مقبلا، قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف، فأنكر علي وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله، فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها، لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي: إنّ الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها...ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول: والله لو قد مات عمر بايعت فلانا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا[1].

والمقصود بذلك أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه  كانت فلتة أي فجأة، أي: لم يرجع فيها إلى عوام المسلمين، وإنما بادر إليها كبراء الصحابة لعلمهم بأحقية أبي بكر بالخلافة، وأنه لا عِدْل له ولا كُفء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 جاء في الفائق في غريب الحديث والأثر: فَلْتة: أي فُجاءة، لأنه لم يُنْتظَر بها العوام، وإنما ابتدرها أكابرُ الصحابة لعلمهم أنه ليس له منازع ولا شريك في وجوب التّقدم[2].

و للفلتة تفسير آخر، جنح إليه بعض العلماء، وله ما يعضّده، وهو أنّ المراد بها في لغة العرب آخر ليلة من الأشهر الحرم.

فقد جاء في كشف المشكل من حديث الصحيحين: الفلتة الليلة يشك فيها هل من رجب، أو شعبان وقد كان العرب يعظمون الأشهر الحرم ولا يقتتلون فيها، وإذا كان آخر ليلة من الأشهر الحرم، فربما شكّ فيها قوم هل هي من الحرم أم من الحلال؟ فيبادر الموتور الحنِق في تلك الليلة فينتهز الفرصة في إدراك ثأره فيكثر الفساد في تلك الليلة وسفك الدماء وشن الغارات، فشبّه عمر أيام حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان الناس عليه من الألفة ووقوع الأمن بالشهر الحرام الذي لا قتال فيه، وكان موته شبه الفلتة التي هي خروج من الحرم لما ظهر في ذلك من الفساد فوقى الله شرها ببيعة أبي بكر[3].

وبهذا التفسير والذي قبله، يتأكّد أنّه لا مجال للطّعن في بيعة أبي بكر الصّدّيق، أنّ ما فهم من لفظة الفلتة، إنّما هو فهم غير وارد، وبعيد عن المعنى المراد، وحاشا أن يلصق بصاحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تربوا على يده، وتشربوا من معينه، هذه التّهم، وبالرّجوع إلى تفاسير علماء المسلمين في لفظة، (الفلتة)، تبيّن أنّها لا مغمز فيها ولا مطعن.


[1]  أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الحدود.  باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت. 8/168. ح: 6830. (بتصرف).

[2]  الفائق: 3/139.

[3]  كشف المشكل من حديث الصحيحين: 1/66.

[3]  كشف المشكل من حديث الصحيحين: 1/66.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

آية الإنذار وتعيين الوصيّ؟

آية الإنذار وتعيين الوصيّ؟

قال الدكتور القزويني: (قال تعالى: (وأنذر عشريتك الأقربين) من الآيات التي يستند عليها الشيعة في إثبات الوصية والنّص لعلي بن أبي طالب (عليه السلام): آية الإنذار.

الوصاية؟

الوصاية؟

قال الدكتور القزويني في سياق إثبات الوصاية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (وهذا مصداق ما قال الشهرستاني..ثم قال: "من الذي يبايعني على روحه، وهو وصيي، وولي هذا الأمر من بعدي؟ فلم يبايعه أحد حتى مدّ أمير المؤمنين علي (رض) يده إليه، فبايعه على روحه، ووفّى بذلك، حتى كانت قريش تعيّر أبا طالب أنّه أمّر عليك ابنك".

انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك

انزل عن منبر أبي واذهب إلى منبر أبيك

من الشّبه الواهية، والأكاذيب المزعومة، ما يروّج له البعض من أنّ الحسين بن علي رضي الله عنهما، نهر عمر بن الخطاب، وأمر بإنزاله من على منبر جدّه، وأنّ في هذا إشارة لعدم استحقاق عمر رضي الله عنه للخلافة.