شذرات

من درر الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه
من درر الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه

 

 

 

تقديم واختيار: ذ.نورالدين الغياط. 

لقد أجمع علماء الأمة على وجوب محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم والاقتداء بهديهم، والإمساك عن الخوض فيما وقع بينهم.

فهم صفوة الخلق بعد الأنبياء، اختارهم الله لصحبة خير خلقه صلى الله عليه وسلم. وهم خير أمة أخرجت للناس، ثبتت عدالة جميعهم بثناء الله عز وجل عليهم، وثناء رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا أعدل ممن ارتضاه الله لصحبة نبيه ونصرته، قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد -صلى الله عليه وسلم- خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوبَ أصحابهِ خيرَ قلوبِ العبادِ فجعلهم وزراءَ نبيهِ يُقاتِلون على دينه»([1]).

وهم صفوة خلق الله تعالى بعد النبيين -عليهم السلام- فعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ في قول الله عز وجل: [قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى]([2]) ، قال : أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم-([3])

وقال قتادة في قوله تعالى: [يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِه]([4])، هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -آمنوا بكتاب الله وعملوا بما فيه([5]). وقد ورد في فضلهم آيات وأحاديث كثيرة منها : قوله تعالى [وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ]([6]) .  فنالوا شرف الصحبة والصدق مع الله عز وجل  ورسوله صلى الله عليه وسلم فكانوا بذلك أهلا لثناء الله ورضاه ولا شهادة أعدل من شهادة الله، فقال سبحانه: [لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً]([7])

ومنهم الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه.

هو جندب بن جنادة الغفاري، أحد الصحابة والسبّاقين في الدخول إلى الإسلام، كان إسلام أبي ذَرٍّ قديما، يقال: بعد ثلاثة، ثم رجع إلى بلاد قومه بعد ما أسلم فأقام بها حتى مضت بَدْرٌ وأُحُدٌ والخندق، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فصحبه إلى أن مات، ثم خرج بعد وفاة أبى بكر إلى الشام، فلم يزل بها حتى ولي عثمان رضي الله عنه. ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية به وأسكنه الرَّبَذَةَ. إلى أن توفي سنة 32هـ.

من أقواله وحكمه رضي الله عنه:

عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي -صلى الله عليه وسلم- بسبع: «أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، وأن لا أسأل أحدا شيئا، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول الحق وإن كان مرّاً، وألا أخاف في الله لومة لائم، وأن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش»([8]).

عن الأحنف قال: قدمت المدينة فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه فقام عليهم، فقال: «بَشِّرِ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عليه في نار جهنم فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتجلجل».

قال: فوضع القوم رؤوسهم، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا.

فأدبر، فتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم. قال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئا، إن خليلي أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم- دعاني، فقال: «يا أبا ذر» فأجبته فقال: «ترى أُحُداً»؟ فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظنه يبعثني في حاجة، فقلت: أراه فقال: «ما يسرني أن لي مثله ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير»، ثم هؤلاء يجمعون الدنيا لا يعقلون شيئا.

فقلت: مالك ولإخوانك من قريش لا تعتريهم ولا تصيب منهم؟ قال: «لا وربك ما أسألهم دنيا ولا أستفتيهم، عن دين، حتى ألحق بالله ورسوله» ([9]).

عن أبي ذر قال: «لو أمرني عثمان أن أمشي على رأسي لمشيت».

عن عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر لعثمان: يا أمير المؤمنين افتح الباب لا تحسبني من قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.

كان أبو ذر ناصحاً مشفقاً، ومن نصائحه، ما رواه سفيان الثوري قال: قام أبو ذر الغفاري عند الكعبة فقال: «يا أيها الناس، أنا جندب الغفاري هلموا إلى الأخ الناصح الشفيق، فاكتنفه الناس، فقال: أرأيتم لو أن أحدكم أراد سفراً أليس يتخذ من الزاد ما يصلحه ويبلغه؟ قالوا: بلى. قال: فإن سفر طريق القيامة أبعد ما ترون، فخذوا ما يصلحكم. قالوا: وما يصلحنا؟ قال: حُجُّوا حَجَّة لعظائم الأمور، وصوموا يوماً شديداً حرّه لطول النشور، وصلوا ركعتين في سواد الليل لوحشة القبور، كلمة خير تقولها، أو كلمة شر تسكت عنها لوقوف يوم عظيم. تصدق بمالك لعلك تنجو من عسيرها، اجعل الدنيا مجلسين: مجلساً في طلب الحلال، ومجلساً في طلب الآخرة، الثالث يضرك ولاينفعك لا ترده. اجعل المال درهمين: درهماً تنفقه على عيالك من حله، ودرهما تقدمه لآخرتك، والثالث يضرك ولا ينفعك لاترده. ثم نادى بأعلى صوته: يا أيها الناس، قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدًا».([10])

عن أبي ذر أنه قال: «في المال ثلاثة شركاء، القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت، والوارث ينتظر أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم، وأنت الثالث، فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكونن، إن الله عز وجل يقول  [لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا ِممَّا تُحِبُّونَ]([11]) ، وإن هذا الجمل مما كنت أحب من مالي فأحببت أن أقدمه لنفسي».

وقال رضي الله عنه: «يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح».

وقال أبو ذر: إني لأقربكم مجلسا من رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يوم القيامة، وذلك أني سمعت رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: «إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها»([12])، وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث بشيء منها غيري.

عن أبي ذر قال: «والله لو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم، ولا تقاررتم على فرشكم، والله لوددت أن الله عز وجل خلقني يوم خلقني شجرة تُعْضَدُ ويُؤْكَلُ ثمرها ».

قال أبو ذر رضي الله عنه: «الصاحب الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من صاحب السوء، ومملي الخير خير من الصامت، والصامت خير من مملي الشر، والأمانة خير من الخاتم، والخاتم خير من ظن السوء».

وقال أبو ذر لسلمة: «يا سلمة، لا تغش أبواب السلاطين، فإنك لا تصب من دنياهم شيئا، إلا أصابوا من دينك أفضل منه».

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: «يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح». 

وقال رضي الله عنه: «يولدون للموت، ويعمرون للخراب، ويحرصون على ما يفنى، ويتركون ما يبقى، ألا حبذا المكروهان: الموت والفقر».

عن أبي ذر، رضي الله تعالى عنه قال: «ليأتين عليكم زمان يغبط الرجل فيه بخفة الحاذ كما يغبط اليوم فيكم  أبو عشرة».

عن أبي ذر، رضي الله تعالى عنه قال: «ذو الدرهمين أشد حسابا من ذي الدرهم».

وكان رضي الله عنه يقول: «من أراد الجنة فليصمد صمدها».

قال أبو ذر: «هل ترى الناس ما أكثرهم، ما فيهم خير إلا تقي أو تائب».

وكان يقول: «يا أيها الناس إني لكم ناصح، إني عليكم شفيق، صلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور، صوموا في الدنيا لحر يوم النشور، تصدقوا مخافة يوم عسير. يا أيها الناس إني لكم ناصح، إني عليكم شفيق».

عن أبي ذر، رضي الله عنه قال: «كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يتلو علي هذه الآية: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب}([13])، فما زال يقولها ويعيدها علي».

مما جاء عنه رضي الله عنه لما حضرته الوفاة:

و لما حضرت أبا ذر الوفاة .. بكت زوجته .. فقال : ما يبكيك ؟ قالت : و كيف لا أبكي وأنت تموت بأرض فلاة و ليس معنا ثوب يسعك كفنا. 

فقال لها: لا تبكي و أبشري فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فيهم: ««لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلاةٍ من الأرض تَشْهَدُهُ عِصَابَة من المؤمنين». وَلَيْس من أولئك النَّفر أحد إِلا وقد هَلَكَ فِي قَرْيَةٍ وجماعة، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ، وَلا كُذِّبْتُ»([14]). فانظري الطريق، قالت: أَنَّى و قد ذهب الحاج و تقطعت الطريق، فقال: انظري، فإذا أنا برجال فألحت ثوبي فأسرعوا إلي، فقالوا: ما لك يا أمة الله ؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفونه، فقالوا: من هو؟ قالت: أبو ذر قالوا: صاحب رسول الله ففدوه بآبائهم وأمهاتهم و دخلوا عليه فبشرهم و ذكر لهم الحديث، وقال: أنشدكم بالله، لا يُكَفِّنني أحد كان أميرا أو عريفا أو بريدا، فكل القوم كانوا نالوا من ذلك شيئا غير فتى من الأنصار، فكفنه في ثوبين لذلك الفتى وصلى عليه عبدالله ابن مسعود فكان في ذلك القوم رضي الله عنهم أجمعين.([15])

 


([1]) أخرجه أحمد في المسند: 6/84، والبزار في المسند: 5/212، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 1/428، وقال: (رجاله موثقون).

([2]) سورة النمل الآية : 61.

([3]) الطبري في تفسيره: 19/483. وأخرجه مالك في الموطأ: 1/82.

([4]) سورة البقرة الآية: 120.

([5]) الطبري في تفسيره: 2/486. 

([6]) سورة التوبة، الآية: 100.

([7]) سورة الفتح، الآية: 18.

([8]) أخرجه أحمد في المسند: 35/ 327، وقال المحقق شعيب الأرناؤوط: (حديث صحيح).

([9]) أخرجه مسلم في الصحيح-كتاب الزكاة– باب في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم:2/689 رقم: 992.

([10]) ابن الجوزي، صفة الصفوة:1/591-592.

([11]) سورة آل عمران، الآية: 92.

([12]) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء: 1/161، والبيهقي في شعب الإيمان: 13/41، والبصيري في إتحاف الخيرة المهرة: 7/310، وقال: (رواه أحمد بن منيع وأحمد بن حنبل بلفظ واحد ورواتهما ثقات).

([13]) سورة الطلاق الآية: 2-3.

([14]) أخرجه أحمد في «المسند»: 35/300، والبزار في «مسنده»: 9/447، والحاكم في «المستدرك على الصحيحين»: 3/388، وأبو نعيم في «حلية الأولياء»: 1/169، قال الهيثمي: (رواه أحمد من طريقين أحدهما هذه والأخرى مختصـرة عن إبراهيم بن الأشتر عن أم ذر، ورجال الطريق الأولى رجال الصحيح ورواه البزار بنحوه باختصار). «مجمع الزوائد»: 9/552.

([15]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم، الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصـر، 1394هـ - 1974م. سير أعلام النبلاء للذهبي، الناشر: دار الحديث- القاهرة- الطبعة: 1427هـ-2006م.

 



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

لقد ميّز الله سبحانه جيل الصّحابة بالفضل والمكانة العظيمة، وهو خير القرون على الإطلاق بما اتّصف به هذا الجيل من الصّفات والخصال التي جعلته يتبوّأ مكانةً لن يبلغها جيلٌ بعده، ولقد امتدح الله صحابة رسول الله في القرآن الكريم، كما بيّن النّبي صلى الله عليه وسلم فضلهم بقوله يومًا: >اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتَّخِذوا أصحابي غَرَضًا، مَن أحَبَّهم فبِحُبِّي أحَبَّهم، ومَن أبغَضهم فبِبُغْضـي أبغَضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى اللهَ، ومَن آذى اللهَ يوشِكُ أنْ يأخُذَه...

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (2)

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (2)

إنّ للصحابة رضي الله عنهم فضل كبير في تبليغ الدعوة ونشـر هذا الدين، وقد ورد فضلهم هذا في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشـريفة. لما تمتعوا به من  الصفات العالية والأخلاق الحميدة، فقد كان الصّحابة مثالًا في الورع والصّلاح والتّقوى والبذل في سبيل الله، وكان لكلّ واحدٍ منهم صفة تميّزه عن غيره، فكلّ الصّحابة كانوا مناراتٍ يُهتدى بها في ظلمات الحياة ودياجيرها، نهل جميعهم من نور النبوة والصحبة الشـريفة لسيد الخلق بنصيب وافر، وفازوا بذلك فوزا كبيرا.

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (1)

من أقوال الصحابة رضي الله عنهم عند الموت (1)

إنّ للصحابة رضي الله عنهم فضل كبير في تبليغ الدعوة ونشـر هذا الدين، وقد ورد فضلهم هذا في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشـريفة. لما تمتعوا به من  الصفات العالية والأخلاق الحميدة، فقد كان الصّحابة مثالًا في الورع والصّلاح والتّقوى والبذل في سبيل الله، وكان لكلّ واحدٍ منهم صفة تميّزه عن غيره، فكلّ الصّحابة كانوا مناراتٍ يُهتدى بها في ظلمات الحياة ودياجيرها، نهل جميعهم من نور النبوة والصحبة الشريفة لسيد الخلق بنصيب وافر، وفازوا بذلك فوزا كبيرا.