شذرات

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (2)
من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (2)

قال رحمه الله:

(لا يزال العبد بخيرٍ ما كان له واعظٌ من نفسه).

تقديم واختيار: ذ.نورالدين الغياط.

 لقد قيّض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمّة عدداً من العلماء الربّانين الذين أخذوا على عاتقهم تعليم النّاس الكتاب والسّنّة النّبويّة الشّريفة، وتبليغ الدعوة للعالمين، فالعلماء هم نبراس الأمّة، وهم ورثة الأنبياء؛ حيث لم يورّث الأنبياء ديناراً أو درهماً وإنّما ورّثوا علماً وفقهاً وحكمة، تلقّفها العلماء وكانوا أحقّ بحمل أمانة تبليغها للناس، وكان من خيرهم وأفضلهم علماء الصّحابة رضوان عليهم الذين تلقّوا العلم غضّاً من فمّ النّبي صلى الله عليه وسلم، وسار على نهجهم من بعدهم التّابعون الذين تمثّلوا أخلاق الصّحابة واقتفوا أثرهم ولزموا واتّبعوا سنّتهم، فقد أخرج البخاري في الصحيح حديثا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في فضل جيل الصحابة والتابعين؛ قال: (خيرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثمَّ الذين يَلُونَهُمْ، قال عِمْرانُ: فلَا أَدْرِي أذَكَرَ بعدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثلاثاً، ثُمَّ إنَّ بعدَكُمْ قوماً يشْهَدُونَ ولَا يُسْتَشْهَدُونَ، ويخونونَ ولَا يُؤْتَمَنُونَ، وينذُرونَ ولَا يُوَفُّونَ، ويَظْهَرُ فيهم السِّمَنُ)([1]).

ومن هؤلاء العلماء الربّانين برز اسم العالم الجليل والعابد الصالح، التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله، عَلَمٌ أشم من أعلام التابعين، اشتهر واستفاضت شهرته، علماً وأدباً وزهدا وورعا، وقد أجرى الله الحكمة على لسانه، فكان القدوة والمثل للأمة وعلمائها، كيف لا وقد فاز بصحبة من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتربى في حجر أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وأرضعته بلبانها، ودر عليه ثديها؛ لبرها به، ومحبتها له، فعادت عليه بركة النبوة، فتكلم بالحكمة، وارتقى في الصلاح والمعرفة إلى أفضل رتبةٍ، وكان -رحمه الله- أحد المتقين، ومن أولياء الله الصِّدِّيقِين، علم من أعلام التابعين وإمام من أئمتهم ورجل من رجالتهم، الذين انهلوا من مناهل بيت النبوة، وأحد الزهاد الثمانية الذين تركوا الدنيا، وأقبلوا على الله بالكلية، وكان سيد أهل زمانه علما وعملا. فحفظه الله وآته من فضله ورضوانه، وهو من الذين يصدق فيهم قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}([2]).

 هذا العالم الرباني ما إن يذكر اسمه إلا ويذكر الزهد والصلاح والحكمة، كانت أم سلمة تخرجه إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صغير،  وكانت أمه منقطعة إليها، فكانوا يدعون له، وأخرجته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا له، وقال: (اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس)([3]).

كان رحمه الله واحدًا من الذين عرفوا قيمة هذه الدنيا، ومن الذين نطقوا بالحكمة والموعظة الحسنة، قال عنه الإمام الذهبي رحمه الله: (كان سيد أهل زمانه علماً وعملاً).

تميز الحسن البصـري بفصاحته وحكمته وبلاغته، وكان عابدا زاهدا يبكي كلما قرأ القرآن الكريم، وكان مقاتلا شجاعا وقد شارك في بعض من الحروب، وقد قال جعفر بن سليمان: كان الحسن مِن أشدِّ الناس إذا حضـر الناس، وكان أجمل الناس، وأروى الناس، وأسخى الناس، وأفصح الناس.

كان رحمه الله دائم الحزن، كثير البكاء، مطالباً نفسه بالحقائق، بعيداً من التصنُّعِ، لا يُظْهِرُ التَّقَشُّفَ، وإن كان بادياً عليه، ولاَ يَدَعُ التَّجَمُّلَ، ولا يمتنع من لبس جيد الثياب، ولا يتخلف عن مؤاكلة الناس، ولا يتأخر عن إجابة الداعي إلى الطعام، وكان له سَمْتٌ يَعْرِفُهُ بِهِ مَنْ لم يكن رآه.

أما عن سبب حزنه فيقول الحسن رحمه الله: (يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه).

كان الحسن البصري حسن الصورة، بهي الطلعة، وكان عظيم الزند قال محمد بن سعد: (كان الحسن فقيها، ثقة، حجة، مأمونا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، وسيما).

وكان من الشجعان الموصوفين في الحروب، وكان المهلب بن أبي صفرة يقدمهم إلى القتال، واشترك الحسن في فتح كابور مع عبد الرحمن بن سمرة.

قال أبو عمرو بن العلاء: (ما رأيت أفصح من الحسن البصري).  

وقال الغزالي: (وكان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة، وكان غايةً في الفصاحة، تتصبب الحكمة من فيه).

روي أن رجلاً دخل البصرة، ولم يكن رأى الحسن، فسأل عنه الشعبي فقال: ادخل المسجد -عافاك الله- فإذا رأيت رجلاً لم تر مثله قط رجلاً، فذلك هو الحسن.

قال حمزة الأعمى: وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يوماً: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة. فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل، لعله تعالى أن يرحمك. ثم ناد الحسن: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر دموعه قطرة حتى تعتق رقبته من النار.

عن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي.

وفيما يلي مزيدا من دُرَرِه رحمه الله مما روي عنه من المواعظ والحكم والآداب ومكارم الأخلاق في سائر الأشياء، ممّا فتح الله بها على هذا الإمام الفذ:

كان يقول: سبحان من أذاق قلوب العارفين من حلاوة الانقطاع إليه، ولذة الخدمة له ما علق هممهم بذكره، وشغل قلوبهم عن غيره، فلا شيء ألذ عندهم من مناجاته، ولا أقر لأعينهم من خدمته، ولا أخف على ألسنتهم من ذكره، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

وكان يقول: روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يوري النار، ويدني منها يده ويقول: انظر يابن الخطاب كيف صبرك على النار؟ وكيف لك قدرةٌ على سخط الجبار؟ ثم يستعيذ بالله من النار، ومن عمل أهل النار.

ثم يقول الحسن: إذا كان هذا خوف عمر -رضي الله عنه-، وهو ممن شهد له بالجنة، فكيف أيها الناس تلبسون؟

وكان يقول: ابن آدم! إنما أنت ضيفٌ، والضيف مرتحلٌ، ومستعارٌ، والعارية لله، لله در أقوامٍ نظروا بعين الحقيقة، وقدموا إلى دار المستقر. وكان يقول: ما مر يومٌ على ابن آدم إلا قال له: ابن آدم: إني يومٌ جديدٌ، وعلى ما تعمل في شهيدٌ، إذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخر ما شئت فلن يعود أبداً إليك.

وكان يقول: إنما يكرمك من يكرمك مادام روحك في جسدك، لو قد انتزع منك لنبذوك وراء ظهورهم، ولو تركت بينهم، لفروا منك فرارهم من الأسد.

وكان يقول: اعتبروا الناس بأعمالهم، ودعوا أقوالهم؛ فإن الله -عز وجل- لم يدع قولاً إلا جعل عليه دليلاً من عملٍ يصدقه أو يكذبه، فإذا سمعت قولاً حسناً، فرويداً بصاحبه، وإن وافق منه القول العمل فنعم، ونعمت عينٍ، وإن خالف القول العمل، فإياك أن يشتبه عليك شيءٌ من أمره؛ فإنها خدعٌ للسالكين.

وكان يقول: ابن آدم! إن لك قولاً وعملاً، فعملك أحق بك من قولك، وإن لك سريرةً وعلانيةً، فسريرتك أولى بك من علانيتك، وإنّ لك عاجلاً وعاقبةً، وعاقبتك أحق بك من عاجلتك.

ابن آدم! إن الله -سبحانه وتعالى- يقول: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}([4])، فاعملوا صالحاً -وفقكم الله- تجدوا عاقبته.

وقيل: بينما الحسن يوماً في المسجد تنفس الصعداء، وبكى بكاءً شديداً، حتى ارتعدت ركبتاه، وخفق قلبه، ثم قال: لو أن بالقلوب حياةً، لو أن بها صلاحاً، لبكت من ليلةٍ صبيحتها القيامة، أي يومٍ -عباد الله- ما سمع الخلائق بيومٍ أكثر منه عورةً باديةً، ولا عيناً باكيةً؟! وكان يقول: ما اغرورقت عينٌ بمائها من خشية الله إلا حرم الله جسدها على النار، فإن فاضت على خدها لم يرهق ذلك الوجه قترٌ ولا ذلةٌ، وليس من عمل إلا وله وزنٌ وثوابٌ، إلا الدمعة من خشية الله، فإنها تطفئ ما شاء الله من حر النار، ولو أن رجلاً بكى من خشية الله في أمةٍ، لرجوت أن يرحم الله تعالى ببكائه تلك الأمة بأسرها.

وكان يقول: إن الله -عز وجل- لا يفرض على العبد ثمناً على العلم الذي تعلمه إلا الثمن الذي يأخذه المعلم به، فمن تعلم العلم بحق الله، ولابتغاء ما عند الله، فقد ربح، ومن تعلمه لغير الله، انقطع، ولم يصل به إلى الله تعالى.

وكان يقول: مسكينٌ ابن آدم! ما أضعفه! مكتوم العلل، مكتوم الأجل، تؤذيه البقة، وتقتله الشرقة، يرحل كل يومٍ إلى الآخرة مرحلةً، ويقطع من الدنيا منزلةً، وربما طغى وتكبر، وظلم وتجبر.

وحضر الحسن جنازةً ثم قال: أيها الناس! اعملوا لمثل هذا اليوم، { فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}([5]).

وكان يقول: أيها الناس! اغتنموا الصحة والفراغ، وبادروا بالأعمال من قبل يومٍ تشخص فيه القلوب والأبصار.

وكان يقول: ابن آدم! لا تخافن من ذي ملكٍ؛ فإنه عبدٌ لسيدك، ولا تطمعن في ذي مالٍ؛ فإنما تأكل رزق مولاك، ولا تخالل ذا جرمٍ؛ فإنه عليك وبالٌ، ولا تحقرن فقيراً؛ فإنه أخٌ شقيقٌ لك. وكان يقول: ابن آدم! لا تحقرن من الطاعة شيئاً، وإن قل في نفسك، وصغر عندك؛ فإن الله سبحانه يقبل مثقال الذرة، ويجازي على اللحظة، ولو رأيت قدره عند ربك لسرك، ولا تحقرن من المعصية شيئاً، وإن قل في نفسك، وصغر عندك؛ فإن ربك شديد العقاب.

وحضر يوماً مجلساً جمع شيوخاً وشباباً، فقال: معشر الشيوخ! ما يصنع بالزرع إذا طاب؟ فقالوا: يحصد، ثم التفت فقال: معشر الشباب! كم من زرعٍ لم يبلغ قد أدركته الآفة فأهلكته، وأتت عليه الجائحة فأتلفته! ثم بكى وتلا: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}([6]).

وكان يقول: ابن آدم! إنك تموت وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك.

ابن آدم! لو أن الناس كلهم أطاعوا الله، وعصيت أنت، لم تنفعك طاعتهم، ولو عصوا الله، وأطعته، لم تضرك معصيتهم.

ابن آدم! دينك دينك؛ فإنما هو لحمك ودمك، فإن سلم لك دينك، سلم لحمك ودمك، وإن تكن الأخرى، فاستعذ بالله منها؛ فإنما هي نارٌ لا تطفأ، وجسمٌ لا يبلى، ونفسٌ لا تموت.

وكان يقول: لا يزال العبد بخيرٍ ما كان له واعظٌ من نفسه، وكانت الفكرة من عمله، والذكر من شأنه، والمحاسبة من همته، ولا يزال بشرٍّ ما استعمل التسويف، واتبع الهوى، وأكثر الغفلة، ورجح في الأماني.

وروي أن الحسن -رضي الله عنه- اتصل به أن مكحولاً توفي، فحزن عليه، وترحم له، ثم اتصل به بطلان ذلك، فكتب إليه:

أما بعد: أبا عبد الله! خار الله لنا ولك في المحيا والممات، وقضى لنا ولك بخير الدنيا والآخرة، ويسر لنا ولك حسن المآل والمنقلب؛ فإنه أتانا عنك خبرٌ راعنا، ثم أتى بعده ما أكذبه، فلعمر الله لقد سررنا، وإن كان السرور بما سررنا به غير طائل، وسبيل الانقطاع داعياً عما قليلٍ إلى الخبر الأول، فهل أنت -عافاك الله ووفقنا وإياك لصالح العمل- كرجل ذاق الموت، وعاين ما بعده، وسأله الرجعة فأجيب إليها، وأعطي ما سأل بعد أن عاين ما فاته، فتأهب في فضل جهازه إلى دار قراره، لا يرى أن له من ماله إلا ما قدم أمامه، ومن عمله إلا ما كتب له ثوابه، والسلام.

وكان يقول: روي أن عيسى -عليه السلام- قال للحواريين: اعملوا لله، ولا تعملوا لبطونكم؛ فإن الطير لا تزرع ولا تحصد، تغدو ولا رزق لها، الله يرزقها.

فإن قلتم: إن بطونكم أكبر من بطونها، فهذه الوحوش من الدواب لا تزرع ولا تحصد، لا رزق لها، الله يرزقها.

وكان يقول: من استغفر الله -عز وجل- بعد صلاة الصبح ثلاث مراتٍ؛ غفرت له ذنوبه، وإن كان فاراً من الزحف. وكان يقول: (روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده! لا يدخل الجنة إلا رحيمٌ)، قالوا: كلنا رحيمٌ يا رسول الله! قال: (ليس رحمة أحدكم نفسه وولده وخاصته، ولكن العامة) ورفع بها صوته.([7])). ([8]).

 

 


([1]) أخرجه البخاري في الصحيح-كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم-باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -5/2-3، رقم: 3650.

([2])  سورة التوبة آية 101.

([3])  موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب البغدادي: 2/402.

([4]) سورة فاطر آية 10.

([5])  سورة التوبة آية 106.

([6]) سورة إبراهيم آية 27.

([7])  أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق: 1/352، وعبد بن حميد في مسنده: 1/424، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد: 8/283، وقال: (فيه أبو مهدي سعيد بن سنان وهو ضعيف متروك).

([8])  -سير أعلام النبلاء للذهبي. الناشر: دار الحديث- القاهرة. الطبعة: 1427هـ-2006م.

 -آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه. تأليف ابن الجوزي. تحقيق: سليمان الخرش. دار الصديق. -بيروت- ط1. 2005م.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (1).

من درر التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله (1).

لقد قيّض الله سبحانه وتعالى لهذه الأمّة عدداً من العلماء الربّانين الذين أخذوا على عاتقهم تعليم النّاس الكتاب والسّنّة النّبويّة الشّريفة، وتبليغ الدعوة للعالمين، فالعلماء هم نبراس الأمّة، وهم ورثة الأنبياء؛ حيث لم يورّثوا ديناراً أو درهماً وإنّما ورّثوا علماً وفقهاً وحكمة، تلقّفها العلماء وكانوا أحقّ بحمل أمانة تبليغها للناس، وكان من خيرهم وأفضلهم علماء الصّحابة رضوان الله عليهم...

من درر سعيد بن المسيب سيد التابعين

من درر سعيد بن المسيب سيد التابعين

لقد نقلت لنا كتب التّاريخ والسير  والطبقات والتراجم سيرا لعلماء ربانين نطقوا بالحكمة، فكانت أقوالهم نبراسا يهتدى به، وكان من خيرهم وأفضلهم علماء الصّحابة رضي الله عنهم الذين تلقّوا العلم غضًّا طريا من فمّ النّبي صلى الله عليه وسلم، وقد سار على نهجهم التّابعون الذين تمثّلوا أخلاق الصّحابة واقتفوا أثرهم ولزموا واتّبعوا سنّتهم.

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكةُ (حديث شريف)

لقد ميّز الله سبحانه جيل الصّحابة بالفضل والمكانة العظيمة، وهو خير القرون على الإطلاق بما اتّصف به هذا الجيل من الصّفات والخصال التي جعلته يتبوّأ مكانةً لن يبلغها جيلٌ بعده، ولقد امتدح الله صحابة رسول الله في القرآن الكريم، كما بيّن النّبي صلى الله عليه وسلم فضلهم بقوله يومًا: >اللهَ اللهَ في أصحابي لا تتَّخِذوا أصحابي غَرَضًا، مَن أحَبَّهم فبِحُبِّي أحَبَّهم، ومَن أبغَضهم فبِبُغْضـي أبغَضهم، ومَن آذاهم فقد آذاني، ومَن آذاني فقد آذى اللهَ، ومَن آذى اللهَ يوشِكُ أنْ يأخُذَه...