دفاعا عن الصحابة والتابعين

الهجوم على بيت فاطمة؟
الهجوم على بيت فاطمة؟

 

 

 

بدر العمراني

يقول صاحب الحقيقي والوهمي من سيرة عمر بن الخطاب: (كثر الحديث في أيّامنا حول التشكيك في الهجوم على بيت فاطمة (ع)، مع أنّ أبا بكر بن أبي قحافة اعترف شخصيّا أنّه كشف بيت فاطمة، وقال ذلك في آخر حياته كالنّادم على فعلته، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز. قال أبو بكر بن أبي قحافة: >فأما الثلاث اللاتي وددت أنّي لم أفعلهنّ فوددت أنّي لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته، وأن أغلق علي الحرب، ووددت أنّي يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر..الخ الحديث<([1]).

وعزا الخبر ل: مجمع الزوائد، والمعجم الكبير للطبراني، وكنز العمال، ولسان الميزان، وميزان الاعتدال، وتاريخ دمشق، ومنهاج السنة النبوية، وتاريخ الطبري، وتاريخ اليعقوبي، وسمط النجوم العوالي، وتاريخ الإسلام.

قلت: هذه الكثرة من المصادر والمراجع لا تدل على ثبوت الخبر، بل مجرد العزو لبعضها دال على الضعف، مثل ميزان الاعتدال ولسان الميزان، والباقي أوردوا الخبر بإسناده هكذا:

روى الطبري في التاريخ([2])، والطبراني في المعجم الكبير([3])، وابن عساكر في تاريخ دمشق([4]) من طريق علوان، عن صالح بن كيسان، عن عمر بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه، أنّه دخل على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في مرضه الذي توفي فيه، فأصابه مُهْتَمًّا، فقال له عبدالرحمن: أصبحت والحمد لله بارئا. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أتراه. قال: نعم. قال: إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له دونه، ورأيتم الدنيا قد أقبلت، ولما تقبل وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأَذَرِي كما يألم أحدكم أن ينام على حسك، والله لأن يقدّم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدّ خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا، وأنتم أول ضال بالناس غدا فتصدونهم عن الطريق يمينا وشمالا، يا هادي الطريق إنما هو الفجر أو البجر، فقلت له: خفض عليك، رحمك الله، فإن هذا يهيضك في أمرك، إنما الناس في أمرك بين رجلين، إما رجل رأى ما رأيت، فهو معك، وإما رجل خالفك فهو مشير عليك وصاحبك كما تحب، ولا نعلمك أردت إلا خيرا، ولم تزل صالحا مصلحا، وأنك لا تأسى على شيء من الدنيا. قال أبو بكر رضي الله عنه: أجل إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن، وددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد غلقوه على الحرب. ووددت أني لم أكن حرقت الفُجاءة الأسلمي، وأني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا. ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، يريد: عمر وأبا عبيدة، فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا. وأما اللاتي تركتهن: فوددت أني يوم أُتيت بالأشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنه تخل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه. ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القَصّة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مدد. ووددت أني كنت إذ وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله، ومد يديه. ووددت أني كنت سألت رسول الله صلى الله عليه و سلم لمن هذا الأمر، فلا ينازعه أحد. ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب. ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة فإنّ في نفسي منهما شيئا.

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني، وفيه: علوان بن داود البجلي، وهو ضعيف، وهذا الأثر مما أنكر عليه([5]).

قلت: علوان بن داود البجلي، قال البخاري: علوان بن داود ويُقال: ابن صالح منكر الحديث. وقال العقيلي: له حديث لا يتابع عليه، وَلا يعرف إلا به. وقال أبو سعيد بن يونس: منكر الحديث([6]).

ورواه ابن عساكر بإسناد آخر، من غير طريق علوان، قال فيه: أخبرنا أبو البركات عبد الله بن محمد بن الفضل الفُرَاوِي، وأم المؤيد نازيين المعروفة بجمعة بنت أبي حرب محمد بن الفضل بن أبي حرب، قالا: أنا أبو القاسم الفضل بن أبي حرب الجرجاني، أنبأ أبو بكر أحمد بن الحسن، نا أبو العباس أحمد بن يعقوب، نا الحسن بن مكرم بن حسان البزار أبو علي ببغداد، حدثني أبو الهيثم خالد بن القاسم، قال: حدثنا ليث بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن حميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه([7]).

وهذا فيه: أبو الهيثم خالد بن القاسم المدائني، كذاب وضاع، وقد أجمع النقاد على تركه([8]).

إذن، هذا خبر مفترى، هل يُعتدّ به في إثبات الهجوم على بيت الزهراء رضي الله عنها؟ كلا وألف كلا..

 والله الموفق لإيضاح الحق.

 


([1]) الحقيقي والوهمي 390.

([2]) تاريخ الطبري 2/353.

([3]) المعجم الكبير 1/62.

([4]) تاريخ دمشق 30/420.

([5]) مجمع الزوائد 5/366.

([6]) ميزان الاعتدال 3/108.

([7]) تاريخ دمشق 30/417.

([8]) انظر: ميزان الاعتدال 1/637. لسان الميزان 3/333.



: الإسم
: البريد الإلكتروني
* : التعليق
 
التعليقات الموجودة لا تعبر عن رأي الرابطة وإنما تعبر عن رأي أصحابها
اقرأ أيضا

أئمة يهدون بأمرنا

أئمة يهدون بأمرنا

قال الحاكم الحسكاني: (وفيها ــ أي سورة السجدة ــ نزل أيضا قوله تعالى:

وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

خطبة أبي بكر وعمر لفاطمة الزهراء رضي الله عنهم

مما يذكره المغرضون للحط من مكانة الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، رفض الرسول صلى الله عليه وسلم خطبتهم بضعته الشريفة فاطمة الزهراء رضي الله عنها. ويستدلون بما رواه النسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، وابن حبان في صحيحه من طريق الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ.

صلّ معي الغداة وغبّش

صلّ معي الغداة وغبّش

قال ابن سعد رحمه الله في الطّبقات الكبير: (أخبرنا الوليد بن عطاء بن الأغَرّ، وأحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، قالا: حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي، عن جدّه: أن سعيد بن العاص أتى عمر يستزيده في داره التي بالبلاط، وخطّط أعمامه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: صَلّ معي الغداة وغَبِّش، ثمّ أذْكِرْني حاجتك. قال: ففعلتُ، حتّى إذا هو انصرف، قلت: يا أمير المؤمنين، حاجتي التي أمرتني أن أذكرها لك؟ قال: فوثب معي. ثمّ قال: امض نحو دارك، حتّى انتهيت إليها، ...